إخوان الصفاء
217
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
بحمد ربهم . فإذا تأملت يا أخي ما وصفنا وتحقق لك ما ذكرنا ، فقد تهيأ لك أن تصير بالصورة الملكية فتكون قد حزت الفضيلة والإنسانية ، وتبرأت عن الصورة الحيوانية والصفة البهيمية ؛ وتصير من سكان السماء بروحك الزكية ونفسك المضيئة ، وتصير صورتك ذاتية نفسانية ، وروحك قدسية عقلية ، ومادتك إلهية ، وتستحق حينئذ مرافقة الملائكة المقرّبين ، والأنبياء المرسلين ، والشهداء الصالحين ، وتدخل الجنان وتحل في دار الحيوان ، فيكون طوبى لك وحسن مآب . واعلم أيها الأخ أنه لا يتهيأ لك ذلك بالمعرفة دون العمل ، ولا بالقول دون الفعل ، كما أنه لا يمكنك أن تكون في الدنيا بمجرّد نفسك ولطيف روحك دون جسمك والوسائط التي بين الموجودات وبينك . واعلم أن العمل هو سلّم المعراج ، والمعرفة هي النور يسعى بين يديك ، فبالسّلّم ترتقي ، وبالنور تهتدي ، وفّقك اللّه وإيانا للعلم والعمل برحمته . فصل دائرة زحل تنبثّ منها روحانيات تسري في جميع العالم من الأفلاك والأمهات والمواليد ، وبها يكون تماسك الصورة في الهيولى ، وهي تعطي الأشياء الثقل والرزانة والوقوف والإبطاء ، وموضعها من جسد الإنسان الطّحال وما ينبثّ منه في الجسد من المرّة السوداء ، وبذلك تكون أجزاء البدن من العظام والعصب والجلود وجمود الرطوبات ، ومن أفعاله البرودة واليبوسة ، ولها من الحيوان ما اسودّ لونه وقبحت صورته ، ومن النبات